ابن رشد
46
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
بدن الإنسان هي الحار والبارد والرطب واليابس ، ويقول بعد ذلك إن كونها اسطقسات هو مبين بنفسه ، وأنه لا يحتاج عليها إلى برهان ، وربما سلم أنها كيفيات ، وربما سلم أنها أجسام ، ويخاف من تسليمها أنها أجسام أن يلزم أنها النار والهواء والماء والأرض . ( 70 ) هذا على أنه لم يبلغ أحد من الأطباء في الشرح لجميع ما في الطب ما بلغ اثيناوش ولكنه مع هذا أخطأ في أشياء كثيرة هو وغيره . ولا أعلم أحدا من الأطباء الحدث « 7 » استقصى علم الطب القديم ، ولا تمم السهيل التي أفادناها القدماء لكنهم مع هذا أبطلوا أشياء منها صحيحة « 8 » ، وألغوا ذكرها ، كما فعل اثيناوش في قوله هذا لأنه إن سلمنا له أنها ظاهرة للحس ومعروف بنفسه ، فليس من المعروف بنفسه أنها اسطقسات ، فإن الماء والأرض والهواء والنار ، كل أحد يعرف أنها موجودة وليس يعرف أكثر النظار فضلا عن العوام أنها اسطقسات الأجسام . ( 71 ) وبالجملة ، فالعوام يعرفون أكثر الأسباب من جهة ما هي موجودات ولا يعرفون أنها أسباب ، مثال ذلك أن العدس وكشك الشعير واللحم وماء العسل يعرفون أنها أمور موجودة ، ولا يعلمون ما منها سببا للصحة ولا سببا للمرض وكذلك الأمر في الأدوية ، يعرفونها ولا يعرفون لماذا . ( 72 ) قال : وما أرى أنه ادعى أثيناوش إلى ألا يقول إن النار والهواء والماء والأرض هما اسطقسات بدن الحيوان ، وقال : إنها الرطب واليابس والحار والبارد ، إلا أنه لم يشعر ما في هذه الأسماء من الاشتراك .
--> ( 7 ) الأطباء الحدث : الأطباء المحدثون . ( 8 ) صحبة : هكذا في الأصل ، لعلها صحبة .